خطاب نصرالله في عيد المقاومة والتحرير

May 31st 2017 | كتبها

د. إبراهيم علوش

لا تتمة ولا استكمال بعد كلام السيد حسن نصرالله، فقد قطعَ سماحته قولَ كلِ خطيبِ، إنما لا بد من تسليط الضوء على بعض الدلالات غير المحكية في الخطاب الذي ألقاه في الهرمل يوم 25 أيار الفائت بمناسبة الذكرى السابعة عشر لتحرير جنوب لبنان، لاسيما فيما يتعلق بالبعد الإقليمي الذي استغرق حوالي ثلاثة أخماس الخطاب.

الدلالة الأولى هي إحياء عيد المقاومة والتحرير في الهرمل.  فقد مضى الزمن الذي كانت تتعرض فيه المنطقة للصواريخ أو للسيارات المفخخة بعد دحر العصابات التكفيرية المسلحة عنها وعن جوارها.  وكان السيد حسن أعلن قبل اسبوعين ونيف عن سحب قوات الحزب من جرود سلسلة جبال لبنان الشرقية المحاذية لسورية وتسليم مواقعه هناك للدولة اللبنانية بعد استتباب الأمر للحزب فيها، باستثناء مقطع صغير منها هو جرد عرسال، وبعد التقدم الكبير الجيش العربي السوري على جبهات القلمون.  فاختيار الهرمل للاحتفال بعيد المقاومة والتحرير يؤكد الثقة والطمأنينة بطي صفحة كاملة من الصراع على جانبي الحدود الشرقية للبنان بعد أن بات للحزب والجيش العربي السوري اليد العليا فيها، كما يؤكد اختيار الهرمل على دورها وبعلبك والبقاع عموماً في إنهاء ملف الجماعات المسلحة في المنطقة.  فالنصر هنا ليس ذكرى تحرير جنوب لبنان فحسب، على أهميتها العظمى، بل احتواء الخطر التكفيري الماثل الذي كان يتهدد شرق لبنان عموماً ومحافظة البقاع خصوصاً، وهذا النصر الثاني في البقاع، كالنصر الأول في الجنوب، لا يخص البقاعيين وحدهم، حتى لو كان حزب الله وشبابه وتضحياته رأس الحربة في تحقيقه، ومن نافل القول أن تقدم الجيش العربي السوري وحلفائه من جهة القلمون أدى بالضرورة دوراً رئيسياً في احتواء الخطر التكفيري الذي يتهدد لبنان.  وعلى هذه الخلفية بالذات يمكن أن نفهم بشكلٍ أفضل تأكيد السيد حسن في خطابه أن لبنان سيكون خارج معادلة “إعلان الرياض”، أي خارج نطاق زعزعة استقراره في سياق الحرب المعلنة على محور المقاومة.

الدلالة الثانية لخطاب السيد حسن تتعلق بما مثله من وزن معنوي وإعلامي وسياسي ضمن المشهد الإقليمي العام في لحظة زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى المنطقة، كأن مهرجان المقاومة والتحرير في الهرمل كان اللحظة التي جبّت مهرجان التهاون والتفريط في الرياض.  فقد كان الخطاب رداً رزيناً هادئاً واثقاً حاسماً بحجم محور المقاومة على “إعلان الرياض” وكل البهرجة المحيطة به، وكان رداً حجّمه وسخّفه وعوّم كل ما حمله من تهديدٍ ووعيد.  فبدا المشهد كأن السيد حسن قد ألقى ما بيمينه لتلقفَ ما صَنَعَه كيدُ السحرة، فكان هو الأعلى، بعدما خيّل للبعضِ أن حبالهم وعصيهم تسعى، فبدا، على تواضعه، أكبر من ترامب ومضيفيه معاً: قائد حركة مقاومة بحجم الإقليم يلقف بخطابٍ عصا التهديد بدخول عسكري أمريكي مباشر في حروب المنطقة، عصا احتاج صنعُها لسفك كرامة أنظمة وحكام ومئات المليارات من ثروات الأمة.   لكن مثل هذا التهديد لا يأتي بجديدٍ أو بما قد يخيف.  “ستخسرون”، قال لهم، “كما خسرتم حتى الآن”.   والرسالة هي أن الميزان يميل ضدكم، والأمريكي لا يريد أن يقاتل بالنيابة عنكم، بل يريد مالكم فحسب، وهذه القمة التي عقدتموها في الرياض قبل أيام ليست إلا تقليداً رثاً وكاريكاتورياً لقمة شرم الشيخ عام 1996 التي لم تخرج بشيء ذي جدوى أيضاً على جديتها.

الدلالة الثالثة لخطاب السيد حسن أنه حرص فيه على تركيز هجومه، باستثناء حالة البحرين، على الطرفين الرئيسيين في قمة الرياض، محاذراً التعرض لأيٍ من الأطراف الأخرى الحاضرة في الرياض ممن لم يشارك بالتهجم على محور المقاومة، لا بل ذهب أبعد من ذلك في التأكيد على تبرئتهم من “إعلان الرياض”، باستثناء ترامب ومضيفيه، باعتبارهم لم يعلموا عنه شيئاً قبل صدوره، بدلالة كشف وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل إنّ “إعلان الرياض” لم يُعرض ولم يُناقش على الحضور، وهي “تبرئة” تحمل في طياتها إحراجاً يضعهم في موضع المُطالَب باتخاذ موقف ذوداً عن كرامته وسيادته.  ولعل هذا أحد أسباب تفجر الخلاف السعودي-القطري إلى العلن؟!

الدلالة الرابعة لخطاب السيد حسن أنه جاء محمولاً على موجة من الصمود والانتصارات في اليمن والعراق وسورية تعزز رسالة “ستخسرون، كما خسرتم حتى الآن”، وتظهر إلى أي جهة تميل موازين القوى الميدانية، وهنا يبرز تطوران أساسيان كانا في طور التحقق خلال إلقاء السيد حسن لخطابه، أولهما وصول “الحشد الشعبي” إلى الحدود السورية-العراقية، وثانيهما إطلاق عملية كبيرة للجيش العربي السوري مع القوات الرديفة والحليفة التي نجحت بتأكيد سيادة الدولة السورية على 5000 كلم2 من البادية حتى الآن، والحبل على الجرار كما يقال، كما نجحت بتأمين طريق دمشق-تدمر، واستعادة حقول ومعامل الفوسفات في خنيفيس، وحماية طريق دمشق-حمص من التهديد الداعشي، وفرض الانكفاء على المسلحين المدعومين من “التحالف” على الحدود مع الأردن، فإذا نجحت عملية “الفجر الكبرى” بالوصول بدورها للحدود العراقية، فإن ذلك يعني أن المشروع الأمريكي-الرجعي العربي بـ”اقتطاع شرق سورية” وعزله سيكون مصيره مثل مصير “داعش” التي صنعها ذلك المشروع ودعمها.

تشرين 31/5/2017

http://tishreen.news.sy/?p=92510

للمشاركة على فيسبوك:

https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=1745850615432166&id=100000217333066&pnref=story

الموضوعات المرتبطة

فتح وحماس: أي صراع، وأي مصالحة؟

د. إبراهيم علوش ماذا تعني "الوحدة الوطنية الفلسطينية" بالضبط؟ وكيف تكون مثل تلك الوحدة "وطنية" حقاً قبل أن نتحقق من أن برنامجها وقيادتها وطنيان؟ وكيف يكونان وطنيين إذا انطلقا من أي نقطة غير [...]

رسالة سعد الحريري الحقيقية

د. إبراهيم علوش فشلت مناورة الاستقالة المفروضة على رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري في تحقيق أغراضها الملتوية المتمثلة بمحاولة "عزل" حزب الله لبنانياً واستدراجه لمعركة داخلية في الساحة [...]

ما يتبقى للأدوات الخارجية في الميدان السوري

د. إبراهيم علوش عبثاً تحاول واشنطن أن تفتعل "أوراق ضغط" على سورية، بعد تهاوي الائتلاف الإقليمي والقوى والعصابات الإرهابية التكفيرية التي دعمتها بالتعاون مع الأتراك وبعض الأنظمة الخليجية [...]

في لوحة الصراع ما بعد “داعش”: نظرة للمستقبل القريب

د. إبراهيم علوش لم يتبقَ ما يُرى من اطلال "داعش" إلا مدينتان ونيف في البادية غرب العراق، وبعض الجيوب والجزر التي ما برحت تتآكل سريعاً في وادي الفرات وحمص وحماة وريف دمشق ودرعا، وقد راح [...]

مشروع التمدد الكردي في مواجهة محور المقاومة

د. إبراهيم علوش الورقة الأمريكية الجديدة في سورية والعراق، بعد اندحار المشروع التكفيري، باتت تتمثل في محاولة مد "عقبات" أمام التواصل الجغرافي-السياسي بين إيران ولبنان عبر أدوات كردية [...]
2018 الصوت العربي الحر.